القاسم بن إبراهيم الرسي
108
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
أدى واجبه على وجهه الأكمل ، وفي أذنيه دويّ التوجيه الإلهي . قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 51 ) [ التوبة : 51 ] . ومواضع الرجوع إلى القضاء والتسليم للّه فيما أراد ، كثيرة متنوعة ، وهي تعطي المسلم صلابة وقوة واندفاعا ، وتملؤه عزيمة وتحملا وجلادة . هنا إرادتنا حرة أما القسم الثاني من متعلقات القضاء والقدر ، فهو يتصل بأعمال على عكس الأولى . ونحن نشعر حين أدائها بيقظة عقولنا ، وحركة ميولنا ، ورقابة ضمائرنا . فما مدى صلتنا بها ؟ وما معنى نسبة القدر إليها ؟ الخطب سهل جدا ، وسنجيب على هذا التساؤل بما يذر شبه المشوشين هباء إن شاء اللّه . إننا نحسّ باستقلال إرادتنا وقدرتنا فيما نباشر من أعمال تقع في دائرتهما ، وكان يكفي هذا الإحساس دليلا على حريتهما لولا أن هناك من يزعم أن الإحساس يكذب أحيانا . ولكننا نطمئن إلى صدق هذا الإحساس ونكذب ما يغض من قيمته بعد أن نرجع إلى القرآن الكريم نستفتيه في ذلك . ونحن نجد القرآن يؤكد هذا الإحسان البديهي ، وينوه بحرية الإرادة الإنسانية . وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : 29 ] . ولا يخليها من المسؤولية الواضحة على ما يصدر منها : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 108 ) [ يونس : 108 ] . بل إن طبيعة الدين - وهي التكليف والابتلاء ، لا تتحقق البتة مع استعباد الإرادة وتقييدها . .